يبدو العنف للوهلة الأولى ظاهرة بسيطة، قوة تُوجَّه ضد الآخر لتهديده أو إيذائه¹. لكن يكشف التأمل أنه أوسع وأعمق مما تصوّره هذه البساطة، فوراء الضربة المرئية تختبئ أشكال من العنف لا تترك أثراً جسدياً: عنف اقتصادي يحرم الآخر من موارده ويُخضعه بالحاجة²، وعنف رمزي يسكن اللغة والمؤسسات والثقافة، وعنف نفسي يهدم الداخل دون أن يمسّ الخارج.
يجعل هذا التعدد العنفَ من أكثر الظواهر الإنسانية إثارةً للجدل الفلسفي، ليس لأنه غامض بل لأنه مألوف ومتجذر في التاريخ البشري منذ فجره. وتنبثق من هذا الواقع ثلاثة أسئلة لا تهدأ: ما أشكال العنف وكيف يتخفى بعضها في صورة نظام أو قانون أو عادة؟ وكيف يتولد العنف عبر التاريخ، هل هو طبيعة إنسانية أم نتاج ظروف وبنى؟ وأين يقع الحد الفاصل بين العنف المشروع الذي تحتكره الدولة وتُسوّغه وبين العنف غير المشروع الذي تُجرّمه؟
العنف ظاهرة إنسانية بامتياز: لا نصف به عادة افتراس الحيوان لفريسته، بل الأذى الذي يلحقه إنسان بآخر عن قصد. ويبدأ مفهوم العنف بمحور أشكال العنف، الذي يميز بين العنف المادي الظاهر والعنف الرمزي الخفي الذي يُمارس باللغة والمؤسسات.
ثم يسأل محور العنف في التاريخ هل كان العنف محركاً للتحولات التاريخية الكبرى، أم عائقاً أمامها؟ ويختم محور العنف والمشروعية بالسؤال الأخلاقي والسياسي: هل يمكن أن يكون العنف مشروعاً في بعض الحالات، كالدفاع عن النفس أو مقاومة الظلم، أم أنه مرفوض دائماً؟
المراجع
¹ Krug, E. G. et al. (2003). Rapport mondial sur la violence et la santé. Organisation mondiale de la Santé.
² Stark, E. (2009). Contrainte par corps. Presses Universitaires de France.