يبدو الغير للوهلة الأولى بسيطاً، هو كل من ليس أنا. لكن هذه البساطة خادعة، لأن الغير ليس مجرد غياب الأنا بل هو أنا آخر¹: كائن يشبهني في كونه واعياً ومفكراً وشاعراً، ويختلف عني في كونه يحمل داخلاً لا أملك إليه مفتاحاً.
تكمن هنا المفارقة العميقة، يحتاج الأنا إلى الغير ليعرف نفسه، ولا يستطيع في الوقت ذاته أن يعرفه معرفة كاملة. يرى الأنا وجه الغير ويسمع كلامه ويقرأ أفعاله، لكنه لا يدخل إلى داخله أبداً. الغير قريب بما يكفي ليُشكِّل الأنا، وبعيد بما يكفي ليظل لغزاً.
وتنبثق من هذا التصور ثلاثة أسئلة فلسفية متشعبة: ماذا يمثل وجود الغير بالنسبة للأنا، هل هو مرآة أم تهديد أم شرط وجود؟ وهل تكون معرفة الغير ممكنة أصلاً أم أنها وهم جميل نتوهمه؟ وأي نوع من العلاقات يحتاجه عالم اليوم بين الأنا والغير في ظل التنوع والاختلاف والصراع؟
الغير هو الأنا الذي ليس أنا: يشبهني ويختلف عني في الآن نفسه. ويثير هذا الوضع المزدوج ثلاثة إشكالات. في محور وجود الغير نتساءل: هل أحتاج إلى الآخرين لأعي ذاتي، أم أن وعيي بنفسي يكفيني؟
وفي محور معرفة الغير نتساءل: هل يمكن أن أعرف ما يدور في ذهن شخص آخر، أم أنني لا أرى منه إلا سلوكه الخارجي؟ وفي محور العلاقة مع الغير نتساءل عن طبيعة الروابط التي تجمعنا بالآخرين: هل هي صداقة واحترام، أم صراع ونفور، أم ضيافة للغريب؟
المراجع
¹ Sartre, J.-P. (1943). L'Être et le Néant. Éditions Gallimard.