تدرس العلوم الطبيعية ظواهر لا تتكلم، تخضع للقياس والتجربة والتكرار دون أن تعترض¹. أما العلوم الإنسانية فتدرس ظاهرة من نوع آخر تماماً، تدرس الإنسان الذي يعي أنه مدروس، ويتأثر بمن يدرسه، ويحمل داخلاً لا يظهر في أي مختبر.
يجعل هذا الاختلاف الجوهري العلوم الإنسانية، من علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد واللسانيات والأنثروبولوجيا والتاريخ، في موقف فلسفي لا تحسده عليه العلوم الطبيعية: تريد أن تكون علوماً دقيقة وموضوعية، لكن موضوع دراستها يأبى الخضوع الكامل للمنهج التجريبي.
ينبثق من هذا التوتر ثلاثة أسئلة تقض مضجع العلوم الإنسانية منذ نشأتها: هل تستطيع أن تكون موضوعية وهي تدرس ذاتها؟ وهل مهمتها تفسير الظواهر الإنسانية كما تفسر الفيزياء حركة الأجسام، أم فهمها من الداخل كما يفهم الإنسان إنساناً آخر؟ وأي نموذج للعلمية ينبغي أن تحتذي به، نموذج العلوم الطبيعية أم نموذجاً خاصاً بها؟
حققت العلوم التجريبية نجاحاً جعلها نموذجاً لكل معرفة تطمح إلى الدقة. لكن حين يصبح الإنسان موضوعاً للدراسة، يكون الدارس جزءاً مما يدرسه. ومن هنا ينطلق محور مشكلة موضعة الظاهرة الإنسانية: هل يمكن أن ندرس الإنسان بموضوعية؟
ويتساءل محور التفسير والفهم في العلوم الإنسانية عن المنهج الملائم: هل نفسر السلوك الإنساني بأسبابه كما تُفسر الظواهر الطبيعية، أم نفهم معناه ومقاصده؟ ويسأل محور نموذجية العلوم التجريبية هل على العلوم الإنسانية أن تقلد العلوم الطبيعية، أم أن تبتكر طريقها الخاص، مع علم الاجتماع نموذجاً.
المراجع
¹ Bachelard, G. (1934). Le Nouvel Esprit Scientifique. Paris: Presses Universitaires de France.